أحمد بن محمد ابن عربشاه
538
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة الميمونة وقرر عليها الأمور الديوانية والأحكام السلطانية ، أمر بها فكتبت وبهذا الخط رتبت ورسمت في طوامير « 1 » ، ولفت في شفق الحرير ، وزمكت « 2 » بالذهب ورصعت بالجواهر ، كما فعل مانى « 3 » النقاش الكافر واضع مذهب المجوس ، ومصوره على صفحات الطروس « 4 » ، ومبرز المعقول بطريق المحسوس ليكون أقرب إلى تفهيم النفوس ، في كتابه المسمى ( بزند واستا ) ثم أمر باحترامها وتوقيرها ، والمحافظة على ضبطها وتحريرها ، والعمل بها والاقتداء بما فيها ، وتعلق أهل ملته بقوادمها وخوافيها ، ثم رفعت إلى خزائنه وهي عندهم أعز من الكبريت الأحمر في معادنه ، واسمها بالمغلى : التورة ، وتفسيرها : الملة المأثورة ، فإذا جلس منهم سلطان على سرير ، وذلك بما للرؤساء من اتفاق وتدبير ، وعادتهم في ذلك أنهم إذا رفعوا عليهم سلطانا ، وأرادوا أن يبنوا لدار المملكة خانا ؛ اجتمع الأمراء من الأطراف ، واستدعوا أركان الثغور والأكناف ، واشتوروا فيما بينهم مدة أيام ، واستمروا في ذلك ما بين نقض وإبرام ، وربما أقاموا في ذلك الجمع العام حولا جميعا أو ضعفي عام ، ويسمون تلك الجمعية ( قورلتاى ) ، وهي مستمرة الحكم في المغل والجفتاى ، وسبب ذلك تدافع الإمرة ، والفرار من تلك السلطنة الحلوة المرة ، كما كان الصحابة الكرام يتدافعون الفتاوى خوف الآثام .
--> ( 1 ) طوامير ، مفردها الطامور : الصحيفة . ( 2 ) سكت . ( 3 ) مانى النقاش : مؤسس المذهب المانوى لدى الفرس القدماء ؛ وهو المذهب القائل بوجود إله النور وآخر للظلام يحكمان العالم . هلك سنة ( 277 م ) . ( 4 ) الصحيفة التي محيت ثم كتبت .